أضواء: إصدار الحكم على الشيخ رائد صلاح وسياسة شد الحبل..
مركز الدراسات المعاصرة
منذ أن أكدت الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني على أن القدس قضية استراتيجية في ميزانها العقدي- التعبدي وميزانها السياسي والعملي والأخلاقي , والعلاقة مع المؤسسة الإسرائيلية علاقة متوترة تترواح بين الاعتقالات والأحكام بالسجن وبين التحرش بعموم المصلين ومنع مصاطب العلم وأخيرا منع المصلين من دخول القدس والمسجد الأقصى المبارك ...
والحركة الإسلامية في هذا السياق تدير أزمة تعلم علم اليقين منابعها ومكوناتها ومركباتها وتداعياتها المحلية والإقليمية والمنظورة والبعيدة المدى ........
وفي إدارتها لهذه الأزمة انطلقت الحركة الإسلامية من مجموعة ثوابت لا تتبدل ولا تتغير , وعلى رأس هذه الثوابت أن القدس محتلة والاحتلال باطل وكل ما يفعله على هذه الأرض المحتلة باطل ولو وقفت كل قوى الأرض والاستكبار العالمي خلف هذه الدولة ...
والثابت الثاني الذي لا يقل أهمية عنه ويشكل الترسانة العملية لنا في هذا الباب , أنه لا يموت حق وراءه مطالب , وأنه ما حاك جلدك مثل ظفرك.وبالتالي فإن كل عمل نقوم به وأهلنا في القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك يقع بين دفتي إدارة الأزمة وتأكيد الثوابت وتصعيد العمل الى الدرجة التي ستحقق بإذن الله رب العالمين عودة الحقوق إلى أهلها. لم تفاجأ الحركة الإسلامية ومؤسساتها من هذا الحكم ولن تفاجأ من أي حكم قادم , ذالكم أن معالم الطريق في قضيتي القدس والأقصى واضحة لنا كل الوضوح , والأمر يحتاج الى تضحيات ...
وإذا كانت الحركة الإسلامية قد قدمت رئيسها قربانا وفداء للقدس والأقصى وأكدت ولا تزال تؤكد أنها تعمل ولا تتكلم , ولن تثنيها سلسلة الإجراءات الإسرائيلية الرامية لإبعادنا عن قدسنا وأقصانا, فإنه قد آن الأوان للطيف السياسي في فلسطين التاريخية أن ينتقل بتفكيره تجاه القدس والأقصى من التكتيك والبهرجة الإعلامية الى الاستراتيجيا والعمل بعمق وصمت ونفس طويل.
نحن في الحركة الإسلامية علمتنا الدعوة المباركة أن في الحركة بركة , وأن الدعوات ومسيرتها لا تقاس بالمنتسبين إليها بقدر ما تقاس بمشاريعها وما خلفته في حياة الأمة , وحركتنا يمكن أن نسميها حركة مشاريع, ومن أعظم مشاريعها القدس والأقصى وقد اختارت أن يكون على رأس مشروعها في القدس والأقصى رئيسها ورمزها , لتضرب بذلك المثل الحي للشارع الفلسطيني بكل مركباته ومؤسساته وهيئاته السياسية . اليقين الذي يتملكنا والحكم يصدر أننا نحمل قضية منتصرة , وهذه القضية المنتصرة تحتاج أولا وقبل كل شيء من أبناء هذه الدعوة المباركة الارتقاء الى مستوى الحدث , والارتقاء الى مستوى القضية , وعندنا أن ' هَمَكَ ما أهَمَكَ' , وفي تاريخ دعوتنا قدمت القيادات والصف الأول مهجها وأرواحها في سبيل الفكرة والمعتقد .
إن المؤسسة الإسرائيلية حاولت من خلال المستشار القضائي الذي أحال القضية المتعلقة بأحداث باب المغاربة في شتاء 2007 الى القضاء, وكنا نقول منذ اللحظة الأولى أن المكتوب مقروء من عنوانه , فالمشكلة كانت ولا تزال وستبقى مرتبطة بالاحتلال , وكل ما بني على باطل فهو باطل . وما هذا الحكم وغيره من الأحكام والممارسات إلا دلالة قاطعة على الحضيض الفكري والسلوكي والأخلاقي والسياسي الذي سقطت في وهدته هذه المؤسسة , ففي الزمن الليبرماني كل شيء متوقع .
ونحن نعلم أن لكل فعل ردة فعل توازيها بالقوة وتعاكسها بالاتجاه. نعم نحن ندير أزمة مع نظام شمولي طاغوتي يتمسح بمسوح الديموقراطية ويتسربل بها وقتما يشاء متعلما من وليّة نعمته -واشنطن- ومحور شرها العالمي من واشنطن الى دويلات القاع العربية.هذا النظام الشمولي تجاهنا يستعمل قوانين الطوارئ ويمارس مختلف أنواع العنف السلطوي ضدنا . في كل مكان وبالذات في القدس والمسجد الأقصى المبارك ....
فمشكلة هذا النظام أنه صحا متأخرا جدا على طنطنة ' الدولة اليهودية ' وبما أن إسرائيل الابن المدلل للمنظومة الأممية والدولية فهي تفعل ما تشاء من قتل للبشر والحجر والأثر ، ومن سجن واعتقال لكل رموز شعبنا الفلسطيني , فلماذا لا يعتقلون الشيخ رائد صلاح ويزجون به في سجونهم الظالمة , ما دامت محاور عدة محلية وإقليمية ترحب بمثل هذه الخطوة ؟ فلعل غيابه عن المشهد المقدسي والعربي في الداخل الفلسطيني يرسم سياسات واقع جديد تفيق عليه أمتنا وشعبنا . الحركة الإسلامية تدرك جيدا الرسائل التي تريد المؤسسة الإسرائيلية إرسالها إلينا وإلى غيرنا من أبناء شعبنا الفلسطيني , لكننا في الحكم على فضيلة الشيخ رائد صلاح , وعلى رأس هذه الرسائل أن القانون لنا بالمرصاد وأنه سيستغل استغلالا كاملا من أجل ضرب وترهيب وتخويف وتحجيم عمل القيادات السياسية في الداخل الفلسطيني والفلسطينيين على حد سواء , وأن هذه الخطوات المرسومة والمنهجية تتماشى وسياسات التهويد وبسط السيادة...
ونحن بدورنا لا بد لنا من أن نرسل بعض الرسائل المضادة إلى هذه المؤسسة الإسرائيلية وعلى رأس هذه الرسائل أننا ماضون في مشروعنا , ولن توقفنا أبدا هذه الإجراءات وهذه السياسات وأن خطوة الألف ميل من أجل تحرير القدس والأقصى ومن أجل نيل الحقوق تبدأ بخطوة أولى , وقد عزمنا على المضي بها وقطع كامل الشوط . وقد كان من المفارقات المفرحة أن يكون افتتاح المؤتمر الدولي للقدس في لبنان تحت رعاية الرئاسة اللبنانية متزامنا مع صدور الحكم على فضيلة الشيخ رائد صلاح , والذي تابع وقائع افتتاحية المؤتمر يعلم علم اليقين أن نفَس هذا الرجل كان في خطابات بعضهم ولعل العديد من المشاريع والاقتراحات والسياسات هي من بنات فكره , فهو رجل عاش مع القدس وللقدس والأقصى وكان ذنبه العظيم أمام مؤسسة التنكيل والبطش أن حرك المياه الراكدة , ليس فقط فلسطينيا بل ودوليا وإقليميا .
وقد وضع بحراكه الذي لا يعرف الكلل ولا الملل الكثير من الدول العربية والإسلامية في موضع حرج لا تحسد عليه . بيننا وبين المؤسسة الإسرائيلية شد حبال كثيرة تتجاوز القدس والأقصى لتصل إلى مفاصل الحياة في الداخل الفلسطيني بدء من العنف الآخذ بالتزايد والاضطراد ومرورا بمستقبلنا على أرضنا ووطنا ومن ضمنها لجنة المتابعة والانتخابات وانتهاء بتحقيق مشروع المجتمع العصامي , وهذه القضايا الكبرى تمس حتى النخاع كل عربي فلسطيني في طول البلاد وعرضها ومن المفهوم ضمنا أنها تمس القيادات السياسية , ولفضيلته بصمات على هذه القضايا إذ كلٌ ميسر لما خلق له. الحكم على الشيخ رائد صلاح يحمل في مفهومنا العقدي الكثير من الخير , إذ لم تكن الابتلاءات في طريق الدعوات إلا مدارج ،والتمكين والعاقبة للمتقين.