الشيخ سليمان البدور - اللقية
البكاء أمر غريزي فطري لا يملك الإنسان دفعه عن نفسه, يقول تعالى: )وأنّه هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى), ويقول ابن القيم رحمه الله: إن البكاء أنواع فهناك بكاء الرحمة والرقة , وبكاء الخوف والخشية , وبكاء المحبة والشوق, وبكاء الفرح والسرور, وبكاء الجزع, وبكاء الحزن, وبكاء النفاق- البكاء المستعار- وبكاء الموافقة. إن البكاء من صفات الخاشعين الوجلين أهل الجنة وطريق موصل للفوز برضوان الله ومحبته, وفي الحديث:' عين بكت من خشية الله'. وهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول لأن أدمع من خشية الله أحب إلي من أن أتصدق بألف دينار.
السماء والأرض تبكيان يقول الله عز و جل في كتابه الكريم حين أهلك قوم فرعون ' فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين', ألم يبك سيدنا يعقوب وابيضت عيناه من الحزن على ابنه يوسف عليهما السلام. إذا ليس غريبا أن يبكي الرجال ورسولنا محمد عليه السلام أفضل الخلق قد بكى في مواقف كثيرة ولم يكن بكاؤه صلى الله عليه وسلم بشهيق ورفع صوت، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تهملا ويسمع لصدره أزيز، بكى عليه السلام بكاء الرحمة والرقة, بكى بكاء الخوف والخشية, بكى بكاء المحبة والشوق, بكى بكاء الحزن, بكى بكاء الرحمة على الميت, بكى بكاء الخوف على أمته وشفقة عليها, بكى بكاء التأثر عند سماع القرآن وتلاوته تعظيما لكلام الله وخوفا منه وقد تم ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مواقف عدة, ومن هذه المواقف :
* عندما بلغه نبأ مصرع قادة مؤتة الثلاثة,( زيد بن حارثة, جعفر بن أبي طالب, عبد الله بن رواحه) ، حزن عليهم حزنا لم يحزن مثله قط، ومضى إلى أهليهم يعزيهم ولما بلغ بيت زيد بن حارثة لاذت به ابنته الصغيرة وهي مجهشة بالبكاء فبكى عليه السلام حتى انتحب، فقال له سعد بن عبادة: ما هذا يا رسول الله ؟ فقال عليه الصلاة والسلام هذا بكاء الحبيب على حبيبه. * قال ابن مسعود رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:' قرأ علي' فقلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ 'قال نعم إني أحب أن أسمعه من غيري' فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية : ' فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا' فقال حسبك الآن فإذا عيناه تذرفان بالدموع.
* بكى عندما وقع أبو العاصي أسيرا في أيدي المسلمين بعد إحدى الغزوات وكان على الشرك آنذاك, وكان زوجا لزينب رضي الله عنها ابنة الرسول الكريم وكان الزواج من المشركين لم يحرم بعد فجاءت زينب لتفدي أبو العاصي ولم يكن معها مالا فأتت بقلادة ورثتها من أمها خديجة رضوان الله عليها فعندما رأى الرسول هذه القلادة تذكر خديجة الزوجة الصالحة المخلصة الوفية فبكى في هذا الموقف.
* عن أنس بن مالك -رضي الله عنه - قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذا رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه , فقال عمر : ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت و أمي ؟, فقال صلى الله عليه وسلم: رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة تبارك و تعالى فقال أحدهما :يا رب خذ لي مظلمتي من أخي , فقال الله تعالى : أعطه مظلمته . فقال : يا رب لم يبق من حسناتي شيء .فقال الله تبارك وتعالى للطالب: فكيف نصنع و لم يبق من حسناته شيء ؟ قال : يا رب فليحمل من أوزاري.
قال: ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء ثم قال: ' من يتحمل عنهم أوزارهم . فقال الله تعالى للطالب : أرفع بصرك وانظر في الجنان. فرفع رأسه فقال : يا رب أرى مدائن من فضة , و قصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ, لأي نبي هذا أو لأي صديق هذا أو لأي شهيد هذا ؟ قال الله تعالى: هذا لمن أعطى ثمنه. فقال: يا رب و من يملك ثمنه ,قال الله تعالى : أنت تملكه, قال بماذا يا رب ؟قال : بعفوك عن أخيك قال : يا رب فإني قد عفوت عنه , قال الله عز و جل : فخذ بيد أخيك فادخلا الجنة , ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ' فاتقوا الله و أصلحوا ذات بينكم , فإن الله يصلح بين المؤمنين '.
* بعد غزوة أحد نزل الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ساحة المعركة وبدأ يتفقد الشهداء من المسلمين فوجد عمه أسد الله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه قتيلا وانفه وأذناه مقطوعتان وبطنه مبقور وكبده منزوعة وقد مضغت مضغة ثم رميت على جسمه فبكى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن شدة بكاءه بكى معه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
* رأى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يحفرون قبرا لدفن أحد المسلمين وقف على القبر وبكى ثم قال: (أي إخواني، لمثل هذا فأعدوا).
* لما مات ابنه إبراهيم حمله النبي صلى الله عليه وسلم ليضعه في القبر, يسير به وإذ بأغلى وأثمن واطهر دموع تنساب وتنهل من خده صلى الله عليه وسلم ولم سئل عن البكاء قال: إن العين لتدمع وان القلب ليحزن وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون ولا نقول إلا ما يرضي الله, وبكى كذلك لما مات عثمان بن مظعون وبكى لما كسفت الشمس وصلى صلاة الكسوف وجعل يبكي في صلاته.
* قام ليلة يصلي فلم يزل يبكي حتى بل حِجرهُ قالت عائشة: وكان جالساً فلم يزل يبكي صلى الله عليه وسلم حتى بل لحيته قالت: ثم بكى حتى بل الأرض! فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله تبكي، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال : ' أفلا أكون عبداً شكورا؟!
عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جالسا ذات يوم في بيتي، قال:”لا يدخل عليّ أحد”، فانتظرت فدخل الحسين، فسمعت نشيج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يبكي فاطلعت فإذا الحسين في حجره، والنبي يمسح جبينه وهو يبكي،قلت: والله ما علمت حين دخل. فقال (صلى الله عليه وسلم): “ان جبريل عليه السلام كان معنا في البيت: قال: أتحبه؟ فقلت: أما في الدنيا فنعم، قال: إن أمتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء, فتناول جبريل من تربتها فأراها النبي (صلى الله عليه وسلم)، فلما أحيط بالحسين حين قتل قال: ما اسم هذه الأرض؟. قالوا: كربلاء، فقال: صدق الله ورسوله، كرب وبلاء.. وفي رواية: صدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أرض كرب وبلاء.
* كان الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه مع الصحابة الكرام عائدين من إحدى الغزوات وفي الطريق توقف الرسول الكريم عند قبر قديم منفرد في الصحراء ليس حوله شيء فجلس الرسول الكريم ثم بكى بكاء شديدا وعندما رجع للصحابة سأله عمر بن الخطاب عن سبب بكاءه الشديد عند هذا القبر فأجابه الرسول الكريم:' هذا قبر أمي سألت ربي الزيارة فأذن لي وسألته الاستغفار فلم يأذن لي' .